الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

460

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

مع الإقدام على واحد منها لا يجوز التصرف في شيء من الأخيرين ومن ذلك يعرف الحال في سائر فروض المسألة ومرجع ذلك إلى القول بالتخيير بين الفردين أو الأفراد بحسب معانيها من الحلال فهو مخير في الإقدام على كل منها على حسبه فإذا استوفي مقدار الحلال تعين الثاني للحرام على مقتضى اختياره فهو قول بتحريم التصرف في الجميع أيضا وإن حكم بجواز التصرف في كل واحد منها على سبيل التخيير ويعزى إلى بعض الأصحاب قول باستعمال القرعة في المقام فيحكم بالحل والحرمة على حسب ما أخرجته ومرجع هذا القول إلى الأول فإن الظاهر منعه من التصرف قبل القرعة مطلقا غاية الأمر أنه يقول بحصول التعيين والخروج عن الشبهة شرعا بالقرعة وهو أمر آخر لا ربط له بالمقام وكيف ما كان فالأقوال المذكورة في المسألة أربعة فالمختار وهو ما ذهب إليه المعظم ويدل عليه أمور الأول أنه بعد حصول الاشتباه فإما أن يحكم في الظاهر بحرمة الإقدام على الأمرين وعدم جواز الإقدام على شيء منهما أو بجواز الإقدام على الجميع فلا يحرم في الظاهر التصرف في شيء منهما أو بجواز الإقدام على أحدهما دون الآخر ولا سبيل إلى شيء من الوجهين الأخيرين فتعين الأول وهو المدعى أما الأول فللزوم الحكم بحلية المحرم وطهارة النجس إذ المعروف من العلم بحرمة أحدهما أو نجاسته والبناء على الثاني قاض بالترجيح بلا مرجح إذ نسبة الإباحة والتحريم إليهما على نحو سواء ولو فرض حصول الظن بالحل أو الحرمة فلا عبرة به في المقام لما دل على عدم الاعتداد بالظن في مثل المقام فإنه من جملة الموضوعات الصرفة ولا عبرة فيها بالمظنة ومع الغض عنه فلا يجري في جميع الصور إذ قد يتساوى الحال بالنسبة إليهما كما في صورة الشك وهو مندرج في محل الكلام قطعا ويمكن الإيراد عليه بوجوه الأول النقض بأن اختيار الوجه المذكور كما يقضي الحكم بتحليل الحرام فاختيار الوجه الأول قاض بتحريم الحلال وإجراء حكم النجس على الطاهر للعلم بحلية أحدهما وطهارته فكيف يحكم بالتحريم بالنسبة إليهما ويسلب حكم الطاهر عنه فما يجاب به بناء على اختيار هذا الوجه يجاب به على التقدير الآخر الثاني أنا نختار الوجه الأول من الوجهين الأخيرين وما قيل من أنه يؤدي إلى آخره إن أريد به الحكم بحلية الحرام بحسب الواقع وكذا طهارة النجس كذلك فهو فاسد إذ لا كلام في ثبوت التحريم والنجاسة في الواقع ولذا لا يجوز الإقدام عليهما مجموعا وإن أريد أداؤه إلى الحكم في الظاهر بجواز الإقدام على ما هو محرم في الواقع مع عدم العلم بالإقدام على خصوص الحرام حين التلبس بكل منهما فبطلانه أول الدعوى وأي مانع من ذلك بعد وضوح ثبوت كون الجهل عذرا للمكلف في موارد شتى الثالث أنا نختار الوجه الثاني وما قيل من لزوم الترجيح بلا مرجح إنما يتم إذا قلنا بحلية أحدهما بالخصوص وحرمة الآخر كذلك وأما إذا قلنا بحلية أحدهما وحرمة الآخر في الجملة فلا فإن قلت لا وجه للقول بإباحة المبهم وحرمته فإن الترك والإتيان إنما يكون للمعين فتعين الوجه الأول ويلزم المحذور وهذا هو الذي دامه المستدل قلت المقصود حرمة أحدهما وحلية الآخر على وجه التخيير بأن يكون المكلف مختارا في الإقدام عليه لا يجوز له الإقدام على الآخر على حسب ما ذكرناه في تقرير القول الثالث من الأقوال المذكورة فلا رد عليه شيء من المحذورين ويمكن الذب عن الأول بأنه لما كان الإقدام على الحرام مؤديا إلى الضرر قاضيا بورود المفسدة على من يقدم عليه بخلاف ترك الحلال إذ لا محذور فيه كما أن مقتضى العقل عند دوران الأمر بين الأمرين هو ترجيح جانب الترك لحصول الأمن من الضرر في البناء عليه بخلاف جانب الفعل لما فيه من خوف الإقدام إلى الضرر ومن المقرر وجوب دفع الضرر والخوف فهذا هو الوجه في تعيين جانب الترك وليس في ذلك تحريم الحلال بل حكم بوجوب ترك الحلال لئلا يؤدي إلى فعل الحرام ولا مانع منه فمقتضى القاعدة حينئذ حرمة الأمرين في الظاهر نظرا إلى الوجه المذكور نعم لو قام دليل خاص على جواز الفعل حينئذ فلا مانع وقضى بالخروج عن مقتضى القاعدة المذكورة إلا أنه لم يقم ذلك في المقام وما احتج به الخصم على ذلك مدفوع حسبما يأتي الإشارة إليه إن شاء الله وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية جارية على موضوعاتها الواقعية فإن الألفاظ موضوعة بإزاء الأمور الواقعية من دون مدخلية في مفاهيمها للعلم والجهل فإذا حصل موضوع التحريم بحسب الواقع كان من الواجب الاجتناب عنه فإذا قيل بجواز الإقدام على كل من الأمرين لزم الحكم بجواز الإقدام على الحرام وهو ما ذكر من اللازم والقول بكون الجهل عذرا في جواز الإقدام إنما يتم في الجاهل المحض الغافل عنه إذ هو القدر الثابت في اشتراط التكليف وأما الجاهل المتردد بين الوجهين مع علمه بحرمة أحدهما على ما هو مفروض المقام فلا دليل على كون جهله المفروض عذرا بل مقتضى القاعدة لزوم الاجتناب عنه أخذا بمقتضى التحريم حتى يتبين خلافه نعم لو قام دليل خاص على جواز الإقدام وسقوط التكليف المذكور بهذا النوع من الجهل وجب الخروج عن مقتضى الأصل المذكور وحينئذ فلا كلام والمقصود من الدليل المذكور قضاء الأصل أولا بالمنع بالإقدام إلى أن يثبت الجواز وأنى لهم بإثباته وعن الثالث بأنه إنما يتم الحكم بالتخيير في المقام إذا لم يكن هناك مناص للمكلف عن الإتيان بأحدهما وأما إذا أمكن تركهما معا فلا وجه للتخيير بعدم التساوي جانبي الفعل والترك بحسب ترتب المصلحة والمفسدة حتى يحكم العقل بتساويهما في الإقدام والإحجام وأما مع ترتب المفسدة على أحد الجانبين والقطع بعدم ترتب مفسدة على جانب الآخر فلا وجه لحكم العقل في التخيير بينهما لعدم تساويهما والحاصل أن المفسدة الحكم بالتخيير عدم تساوي الأمرين في نظر العقل لوضوح التفاوت بينهما فيتعين عنده جانب الترك ومفسدة التعيين ما ذكر من لزوم الترجيح بلا مرجح والعقل لا يحكم في مثل ذلك بالتخيير إلا مع قيام دليل خاص عليه كما أنه لا يحكم بتعيين أحدهما إلا لدليل دال عليه ولا يذهب عليك أن الأولى في تقرير الدليل المذكور وتربيع الاحتمالات وإبطال ثلاثة منها بالوجوه المذكورة لتعين الرابع الثاني أن اجتناب الحرام مطلقا لله تعالى فيجب امتثال طلبه ولا يتم ذلك إلا باجتناب الجميع وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فاجتناب الجميع واجب ويرد عليه أمور أحدها أنه إن أريد اجتناب ما هو حرام يحسب الواقع واجب سواء علم كونه حراما أو لا فهو ممنوع بل هو أول الدعوى وإن أريد اجتناب ما هو حرام واجب في الجملة ممنوع ولا يرتبط به المقدمة الثانية لينتج المدعى ثانيها أن ما ذكر من اجتناب الحرام لا يتم إلا باجتناب الجميع فممنوع إذ قد يحصل ذلك باجتناب البعض لاحتمال مصادفته لترك الحرام وفيه أن المقصود صدق امتثال طلبه تعالى لأداء ذلك الحكم بتحققه عرفا بمجرد الاحتمال فصدق